ساسي سالم الحاج

76

نقد الخطاب الاستشراقي

وأخيرا يقرر « رودنسون » أنه لا أحد يعلم متى كان يتلجئ محمد إلى جبل « حراء » للتحنث فيه . ويتساءل « رودنسون » ما ذا كان يريد محمد بتحنّثه هناك ؟ وعن أي شيء يبحث ؟ . ويجيب عن هذه التساؤلات قائلا : « ليس هناك نصّ صحيح يخبرنا بذلك » . ولكنه كان يبحث بالتأكيد عن الحقيقة ، ويتأمل في الكون والحياة ويدعو اللّه إلى أن يهديه سبيل الرشاد . وذات يوم - وطبقا لأصح وأوثق رواية لدينا - خرج محمد كعادته إلى حراء فجاءه جبريل فقال له « اقرأ » . فقال « ما أقرأ » فغطه حتى ظن أنه الموت ، ثم أرسله ، وأمره بالقراءة ، وتساءل محمد ما ذا يقرأ فغطه من جديد حتى ظن أنه الموت ثم أرسله ، ثم أمره بالقراءة فردّ عليه الرسول نفس التساؤل فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق 1 - 5 ] ثم قال له : « يا محمد أنت رسول اللّه » ونطق بهذه الكلمات التي غيرت وجه العالم . وإلى هنا تنتهي رواية رودنسون للسيرة النبوية قبل البعثة المحمدية أوجزناها لكم في هذه الصفحات تمهيدا لتحليلها والرد عليها طبقا للمناهج التي درجنا عليها بالخصوص . عالج « وليام موير » السيرة النبوية قبل البعثة في كتابه الشهير : « حياة محمد » وقد سلك في كتابه هذا منهج السرد التاريخي الخالي من التحليل العلمي إلّا فيما يتعلق ببعض القضايا الأساسية المتعلقة بالوحي الإلهي ، وبصحة النص القرآني ، وبالوضع في الأحاديث النبوية ، وفي الشك في الروايات الإسلامية التي عالجت بعض القضايا التاريخية ذات العلاقة بالجزيرة العربية قبل الإسلام كنفيه لقصة « إبراهيم وهاجر » ، ونفيه « لبناء الكعبة من قبل إبراهيم وابنه إسماعيل » . وما عدا ذلك فإن السرد التاريخي هو الغالب على منهجيته وهو سرد لا يخلو في طياته من غمزات ولمزات ذات خطورة بالغة على حقيقة السيرة النبوية وعلى صحة الإسلام ومعتقداته الدينية . تعرّض « موير » - كما أسلفنا القول - إلى تاريخ مكة قبل ولادة الرسول . ودرس بالتفصيل سيرة أجداده منذ الزمن الموغل في القدم ، إلى حين ولادته . وكانت هذه الدراسة توطئة لدراسة السيرة التي تبتدئ منذ ولادة الرسول وحتى وفاته وما تخلّل ذلك من حوادث ووقائع جليلة ارتبطت بالتاريخ الإسلامي والتي غيّرت وجه التاريخ البشري . وبعد أن وصف « موير » مكة والمدن المحيطة بها كالطائف وعرفات وصفا طبوغرافيا مفصلا ، متعرضا لجوّها ، ومزروعاتها ، وأشجارها ، وحيواناتها ، يصل إلى